الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 15 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 16 ) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 17 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * * * بدئت السورة بالكتاب الحكيم ( القرآن ) وانكار المشركين للوحي بشبهتهم المعروفة وسيقت بعدها الآيات في إقامة الحجج عليهم من خلق العالم علوية وسفليه ومن طبيعة الانسان وتاريخه متضمنة لاثبات أهم أركان الدين وهو الوحي والتوحيد والبعث ، وجاءت هذه الآيات الثلاث بعد ذلك في شأن الكتاب نفسه وتفنيد ما اقترحه المشركون على الرسول فيه وحجته البالغة عليهم في كونه وحيا من اللّه تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ في الآية التفات عن خطاب هؤلاء الموعوظين إلى الغيبة عنهم وتوجيه له إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلوب الالتفات في القرآن كثير جدا وفائدته العامة تلوين الكلام بما يجدد الانتباه له والتأمل فيه ، وفي كل التفات فائدة خاصة لو أردنا بيان ما نفهمه منها لطال بنا بحث البلاغة الكلامية ، بما يشغل القراء عن الهداية المقصودة بالذات من تفسيرنا . ويظهر في هذه الآية ان نكتة حكاية هذا الاقتراح السخيف بأسلوب الاخبار عن قوم غائبين إفادة أمرين ( أحدهما ) اظهار الاعراض عنهم كأنهم غير حاضرين لأنهم لا يستحقون الخطاب به من اللّه تعالى ( ثانيهما ) تلقينه صلّى اللّه عليه وسلّم الجواب عنه بما ترى من العبارة البليغة التأثير ، والمعنى وإذا تتلى على أولئك القوم آياتنا المنزلة حالة كونها بارزة في أعلى معارض البيان ، وأظهر مقدمات الوحي والبرهان قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا